بحوث ودراسات

قضية السيدة فاطمة ع – د. عبدالرزاق هاشم الديراوي

اضغط هنا لتصفح البحث وتحميله

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.

الملاحظة الأكثر بروزاً، في ما يتعلق بما جرى على فاطمة (صلوات الله عليها)، تتمثل بذلك التفاوت الصارخ بين المرويات الشيعية والسنية ذات الصلة. ففي الوقت الذي نجد إسهاباً ووضوحاً في جانب المرويات الشيعية، نجد شحة وغموضاً في الجانب الآخر. هذا التفاوت الكبير يفرض نفسه على الباحث، دون أدنى شك، ويدفعه لمعرفة السبب الكامن وراءه، ليسجل نفسه – أي التفاوت – على أنه جزء من حدث شمولي يمتد عبر الزمان والمكان، وفي الوعي، كما في التاريخ. هذا الحدث الشمولي، الذي يمكن أن نصطلح عليه بالحدث الفاطمي، ضروري الحضور من أجل تصور ما جرى على فاطمة، وما دفعها للوقوف بوجه النظام الذي ترشح عن السقيفة، ويمنحنا بالنتيجة إمكانية إصدار الحكم الموضوعي المناسب. فالأجزاء التي تبدو بعيدة ومتنافرة، للوهلة الأولى، ستظهر منسجمة، ومنتظمة ضمن سياق واحد وحدث واحد، إذا ما نُظر إليها على أنها أجزاء وعي واحد له انحيازاته، ورغباته، ومتبنياته، ومواقفه الكلية من الواقع والتاريخ، ونظرته الخاصة لما كان وما ينبغي أن يكون.

إنّ الوعي المنحاز لمواقفه المسبقة لن يكتفي بوعي الواقع بما يتلاءم مع رؤيته، وإنما سيحاول نبذ وقصقصة الأجزاء التي لا تتفق معها، ولن يعدم المبررات اللازمة بهذا الصدد. من هنا كان لابد من النظر لمتبنيات هذا الوعي، والعُقد، والميكانزمات التي تحركه وتوجه رؤيته للعالم على أنها جزء لا يتجزأ من معادلة تصوره وحكمه على الحدث.

وإذا كنت، هنا، أتحدث عن الوعي، أو العقل السني المتجلي عبر المنظومة الفكرية والعقدية والمعرفية المحددة، فإنّ السبب ينبغي أن يكون معروفاً وواضحاً، باعتبار أن المقدار الذي يثبته العقل الشيعي من الحدث الفاطمي، في أطره ومروياته الخاصة، قابل للإثبات تماماً، وبدرجة معتبرة جداً، حتى على مستوى العقل السني، وما يتحكم فيه من أطر فكرية وعقدية، رغم شحة المرويات فيه. أي إن بإمكاننا تقديم قضية قوية ومحكمة، لصالح ما يقرره العقل الشيعي، اعتماداً على أدوات محورها المرويات السنية، وما يؤطرها من منظومة فكرية وعقدية ومعرفية، وبذلك يكتمل البرهان اكتمالاً تاماً، في الوقت الذي يعجز فيه الطرف المناوئ عن تقديم مثل هذه القضية عجزاً جلياً، سواء بالاعتماد على ما لدى الآخر – أي الطرف الشيعي -، أو حتى اعتماداً على ما لديه هو من مرويات، إذا ما جرى تجريدها عن العقد والميكانزمات المنحازة التي توجه رؤيته.

إنّ التصور الشيعي للحدث الفاطمي قابل للإثبات لأنه يجد شاهداً حتى في الحقل الآخر، بينما يبدو التصور السني، للحدث ذاته، متناقضاً ومعضلاً، حتى على مستوى حقله الخاص! ويغنيك عن الإطالة في البيان ما تجده لدى الطرف السني من دفوعات تعتمد على إنكار وتكذيب الواقع، أو المصير إلى ما يتوهمه على أنه يلزم الطرف الشيعي من أقاويل وتفوهات صدرت عن شخص معين بخصوص إنكار تفاصيل معينة. ومن الواضح أن مثل هذا الدفع الرث يحكي عمق المأزق الذي يجد العقل السني نفسه فيه، أكثر مما هو دفع يمكن أن يخطر لعقل ذي مُسكة.

إنّ فحص القضية في إطار الوعي، أو العقل السني يستدعي حتماً ملاحظة علاقة الجدل بينها وبين الأفكار والقضايا الأخرى، التي تشكل مضمون هذا الوعي، وتشكل بالتالي معاييره ومقاييسه النوعية التي تتحدد من خلالها رؤاه وأحكامه، وستكون النتيجة المتعلقة بأصل وجود القضية، وكيفية هذا الوجود أو ماهيته معلقة، بالتأكيد، على مدى انسجامها أو تنافرها مع المضامين الأخرى التي تشكل هوية الوعي، الذي اصطلحنا عليه بالوعي السني. أي إن مضامين الوعي السني ومعاييره، التي تشكل أرضية معرفية يقيس على أساسها الأفكار والقناعات التي ترد عليه، سيكون لها حتماً أثر كبير في رفض هذا الوعي أو قبوله أصل الفكرة، وفي تحديد ماهيتها ومضمونها.

إذن، المسألة أوسع من مجرد إثبات القضية ذاتها بعيداً عن الوعي الذي يحتضنها ومضامينه. فنحن لا نكتفي – كما فعل كثيرون – باقتطاع الحادثة من سياقاتها والنظر إليها نظراً ميتافيزيقياً مجرداً، كموضوعة منفصلة محلقة في فضاء وعي غير محدد يمنح الأشياء والأفكار هوياتها أو ماهياتها المستقلة، التي لا تؤثر ولا تتأثر بغيرها، وإنما نقاربها من منطلق وعي معين (الوعي السني) تخضع الأشياء والأفكار فيه لمنطق التأثير والتأثر، بحيث لا يمكن تحديد هوياتها وماهياتها بعيداً عن علاقة الجدل والتأثير المتبادل. فعلى مستوى وعي محدد لا براءة ولا نقاء جنسياً أو هوياتياً للأشياء والأفكار، وإنما امتزاج وتداخل وتلاقح، تتشكل فيه الدلالة من واقع التأثير والتأثر، والشد والجذب. وعلى هذا يكون الوعي، الذي نرصد القضية من خلاله – بما ينطوي عليه من أفكار ومحددات ورؤى وافتراضات ومتبنيات ومسبقات تمارس ضغطها وتسجل حضورها في إنتاج الدلالات – جزءاً لا يتجزأ من نفس القضية، كما سبق القول. فهو قد يمنحها شهادة الميلاد، وقد يحرمها منها، وفي حال منحها فإنه غالباً ما يلونها بألوانه، ويمنحها صورة وجود لا تشكل مصدر قلق، أو ازعاج، أو تنافر بالنسبة له. بالنتيجة، سيمثل اهمال الإطار، أو السياق الذي يحتضن القضية عملية اختزال تجافي العقل والمنطق السليم، وسيكون من يُقدم عليه ضحية نظرة ميتافيزيقية، أو لنقل خيالية، بعيدة عن العلمية والموضوعية.

إذن، سنعرض في بحثنا لأهم العناصر والبنى الفكرية، التي تؤثث الوعي السني، مما له اتصال بموضوع بحثنا، خاصة ما يتعلق منها بنظريتهم عن عدالة الصحابة، وموقفهم من الخلافة والخلفاء، وما يتشعب عنهما ويتصل بهما من قضايا وأفكار وعقائد من قبيل الموقف من المرويات التي تتعرض للصحابة عموماً ولأبي بكر وعمر خصوصاً، سواء كانت تاريخية أو حديثية، وموقفهم من رواتها، ودور علم الجرح والتعديل الذي جعلوه سيفاً مسلطاً على الأحاديث، وسنوضح أثر ذلك كله على موضوعنا.

أخيراً، من الضروري جداً، ونحن بصدد قراءة الحدث الفاطمي، أن لا نقتطعه عن سياقه التاريخي، كما فعل كثيرون، وأن ننظر له باعتباره حلقة في سلسلة حلقات تكتسب معناها من تصاديها معها، وإجابتها على تساؤلاتها. فالحدث الفاطمي، الذي يضاهي الحدث الحسيني منطلقاً وإشراقاً ومأساوية، لا تستقيم قراءته قراءة حقيقية صحيحة ما لم ينسج على قماشة الأحداث السياسية والدينية الخطيرة التي أعقبت وفاة النبي (صلى الله عليه وآله). فهو بعض طحين رحاها، وجزء أساس من سرديتها، بل إنه بوصلة ومنار من مناراتها، يكشف اتجاهات الأحداث السياسية المشار إليها، ويحدد هويتها ومساراتها على خارطة الدين والتاريخ الاسلامي. ولهذا بالضبط – كما سيتضح – أُريد له أن يُدفن ويُمحى تماماً من ذاكرة الأمة، وكانت ولا تزال معاول أتباع نظام الخلافة، الذي تأسس عقب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، تعمق الحفر له، وتهيل المزيد من التراب عليه، ولكن دون جدوى. فالملحمة الفاطمية حفرت ذكراها الأليمة في قلب ووجدان التاريخ ليبقى صداها يتردد مدى الأيام:

قَد كانَ بَعدكَ أنباءٌ وَهَنْبَثَةٌ              لَوكنتَ شَاهِدُها لَم تَكثُرِ الخُطَبُ
إِنَّا فَقدنَاك فَقْدَ الأرضِ وَابِلها          واختَلَّ قومُك فاشهَدْهُم فَقد نَكَبُوا
تَجَهَّمَتْنَا رِجالٌ واستُخِفَّ بِنا            بَعد النَّبي وَكلُّ الخَيرِ مُغتَصَبُ
قَد كَان جِبريلُ بِالآياتِ يُؤْنِسُنَا         فَغِبْتَ عَنَّا فَكُلُّ الخَيرِ مُحتَجَبُ
وَكنتَ بَدراً وَنُوراً يُستَضَاءُ بِهِ           عَليكَ تَنزِلُ مِن ذِي العِزَّةِ الكُتُبُ
فَقد لَقينَا الذي لَم يَلْقَهُ أَحدٌ           مِن البَريَّةِ لا عَجَمٌ وَلا عَرَبُ
سَيعلَمُ المُتَولِّي ظُلمَ حَامَتِنَا         يومَ القيامَة أَنَّى سَوفَ يَنقَلِبُ
فَسوفَ نَبكِيكَ مَا عِشنَا وَمَا           بَقِيتْ لَنَا العُيونُ بِتِهْمَالٍ لَهُ سكبُ

أختم بملاحظة أقولها بخصوص المصادر وهي إني اعتمدت طبعة معينة من كل مصدر إلا في حالات شاذة جداً، وعندها كنت أشير إلى الطبعة الثانية في الهامش في كل حالة ألجأ إليها. وهكذا كلما ورد اسم المصدر المعين فالمقصود طبعة معينة منه إلا إذا أُشير إلى طبعة أخرى منه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى