مقتبسات

هل الشفاعة موجودة أم منتفية؟

يزعم بعض المشككين أنّ الآية: “وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ” [البقرة: 48]، تدل على نفي الشفاعة مطلقاً، وهي بذلك تتعارض مع الآيات التي تؤكد وجود الشفاعة، مثل: “مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ” [البقرة: 255]، “وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى” [الأنبياء: 28]، “وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ” [سبأ: 23]!

الجواب:
لا تعارض بين الآيات؛ لأنها تتحدث عن يومين مختلفين وليس عن يوم واحد كما توهم المشككون، فاليوم الذي ليس فيه شفاعة “وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ” هو يوم الموت، فهو اليوم الوحيد الذي ليس فيه شفاعة، أما الآيات التي أثبتت وجود الشفاعة فهي تتحدث عن يوم القيامة.
(قال الله عز وجل: “واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً” لا يدفع عنها عذاباً قد استحقته عند النزع. “ولا يقبل منها شفاعة” يشفع لها بتأخير الموت عنها. “ولا يؤخذ منها عدل” لا يقبل فداء مكانه يمات ويترك هو. قال الصادق عليه السلام: وهذا يوم الموت، فإن الشفاعة والفداء لا يغني عنه، فأما في يوم القيامة فإنا وأهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء …) .
قال السيد أحمد الحسن: (“وَاتَّقُوا يَوْماً”: هو يوم الموت، وهو اليوم الوحيد الذي لا توجد فيه شفاعة، فالعذاب عند الموت لا ينجو منه إلا من صاحب الدنيا ببدنه، وقلبه معلق بالملأ الأعلى، فلم يرتبط مع الدنيا بحبال وعوالق تحتاج إلى القطع والقلع مما يسبب العذاب. والناجون من عذاب الموت هم: المقربون، قال تعالى: “فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ” الواقعة: 88 – 89، أي حال موته، وسادة المقربين هم: محمد وآل محمد عليهم السلام) ( السيد احمد الحسن، المتشابهات: جواب سؤال 23).
وقال أيضاً: (“وَاتَّقُوا يَوْماً”: أي خافوا يوماً، وهذا اليوم هو يوم الموت، أي ساعة الموت أو لحظات الموت. ومع أنّ شفاعة من له شفاعة تنفع كل ساعة في الدنيا وبعد الموت في القبر والبرزخ والقيامة ولكن لا شفاعة عند الموت لأحد، بل ولا يقبل عند الموت عدل ولا عمل صالح. وهذا بسبب أنّ الموت هو نزع الروح عن الجسد، وهذا النزع أو الأخذ أو الاستيفاء لابد أن يرافقه تقطيع علائق الروح مع الدنيا، وهذه العلائق بحسب كثافتها وكثرتها يكون اشتباك الروح مع الجسد كثيفاً، فلابد أن يرافق تقطيع هذه العلائق آلام ولا تنفع شفاعة الشافعين لمنعها أو إزالتها، بل ولا ينفع عمل الإنسان في رفع أو إزالة هذه الآلام.
“لا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ”: وذلك لأن تعلق الإنسان بالدنيا (البيت والزوجة والأولاد والمال وغيرها من المتعلقات الدنيوية) هو عبارة عن حبال عقدها الإنسان بنفسه ولا خروج للروح من الدنيا ولا انفصال له عن الجسد دون قطع هذه الحبال والعلائق، ولا ينجو من آلام الموت إلا من رافق الدنيا بجسده وروحه معلقة بالملأ الأعلى، وهؤلاء هم المقربون، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما معناه: “إنما كنت جاراً لكم، جاوركم بدني أياماً”، وقال تعالى: “فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ”.
ولا تنفع الشفاعة ولا ينفع العمل الصالح في لحظات الموت، إلا في حالة واحدة وهي حالة خرق القانون التكويني، وذلك بأن يصبح تقطيع هذه الحبال غير مؤلم، كما أصبحت نار إبراهيم (عليه السلام) غير محرقة، أو أنها لم تؤثر فيه لمانع ما شاء الله أن يجعله فيه (عليه السلام). وهذا الخرق للقانون التكويني لا نرى أنه من الأمور المعتادة، بل لا يحصل إلا في حالات تتعلق بوجود الله سبحانه أو علاقته سبحانه وتعالى بأمر أو شخص ما، وتأييده بهذا الخرق للقوانين التكوينية. …..) ( السيد أحمد الحسن، المتشابهات: جواب سؤال 26.).

______________________

✍️ مقتبس من بحث دفاع عن القرآن (إشكال 82) – الدكتور علاء السالم

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إحدى عشر + 18 =

زر الذهاب إلى الأعلى