مقتبسات

هل المرتد له توبة أم لا؟

يزعم بعض المشككين أنّ الآية: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ” [آل عمران: 90]، تدل على أنّ المرتدين لن تقبل توبتهم، وهي تتعارض مع الآيات التي قبلها: “كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [آل عمران: 86 – 89] التي تبيّن أنّ لهم توبة!

الجواب:
ليس كل ما يقع عليه اسم “توبة” يكون مصداقاً للتوبة المقبولة عند الله، ففي الدين الإلهي هناك توبة مقبولة وأخرى غير مقبولة، فمثلاً: التوبة عند الاحتضار ومعاينة أمر الآخرة غير مقبولة، وكذلك التوبة عند نزول البأس “العذاب” وحصول المعجزة القاهرة غير مقبولة، والسبب في ذلك أنّ الله سبحانه خلق الدار التي نحن فيها لامتحان الناس واختبارهم، وبالتالي لا مجال للحسم فيها لأنه ينفي الامتحان أصلاً، ولا شك أنّ المعجزة القاهرة ومعاينة أمر الآخرة ينفيان الامتحان ويحسمان الموضوع ولا يبقيان أي مساحة ومجال للإيمان بالغيب الذي أراده الله سبحانه: “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” [البقرة: 3].
سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: “وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن” قال: (ذلك إذا عاين أمر الآخرة).
وسئل الإمام الرضا (عليه السلام): (لأي علة أغرق الله عز وجل فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده؟ قال: إنه آمن عند رؤية البأس وهو غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف قال الله تعالى: “فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا” وقال الله عز وجل: “يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً” …).
السيد أحمد الحسن من جهته بيّن بوضوح سبب وقوع اللبس والشبهة في المعجزة والهدف منه، وعدم قبول الإيمان والتوبة عند حصول المعجزة القاهرة، فكان مما قال:
(… فالإيمان بالغيب هو المطلوب والذي يريده الله سبحانه، والمعجزة التي يُرسلها سبحانه لابد أن تُبقي شيئاً للإيمان بالغيب، ولهذا يكون فيها شيء من اللبس؛ ولهذا كانت في كثير من الأحيان مشابهة لما انتشر في زمان إرسالها “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ” الأنعام: 9. ولهذا وجد أهل المادة والذين لا يعرفون إلا المادة في التشابه عذراً لسقطتهم: “فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ” القصص: 48. فالتشابه أمسى عذراً لهم ليقولوا “سِحْرَانِ تَظَاهَرَا” و “إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ”، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يصف أحد المنافقين: “.. جعل الشبهات عاذراً لسقطاته”.
أمّا إذا كانت المعجزة قاهرة ولا تشابه فيها فعندها لا يبقى للإيمان بالغيب أي مساحة ويكون الأمر عندها إلجاء للإيمان وقهراً عليه، وهذا لا يكون إيماناً ولا يكون إسلاماً بل استسلام وهو غير مرضي ولا يريده الله ولا يقبله “وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ” يونس: 90، ففرعون يؤمن ويسلم أو قل يستسلم وقبل أن يموت ولكن الله لا يرضى ولا يقبل هذا الإيمان وهذا الإسلام ويجيبه الله سبحانه بهذا الجواب “آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ” يونس: 91. هذا لأنه إيمان جاء بسبب معجزة قاهرة لا مجال لمن لا يعرفون إلا هذا العالم المادي إلى تأويلها أو إدخال الشبهة على من آمن بها، وبهذا لم يبق مجال للغيب الذي يريد الله الإيمان به ومن خلاله، فعند هذا الحد لا يُقبل الإيمان؛ لأنه يكون إلجاء وقهراً وليس إيماناً “هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِـرُوا إِنَّا مُنْتَظِـرُونَ” الأنعام: 158، “قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ” السجدة: 29.
ولو كان الله يريد إلجاء وقهر الناس على الإيمان لأرسل مع أنبيائه معجزات قاهرة لا مجال معها لأحد أن يقول “سِحْرَانِ تَظَاهَرَا” أو “أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ” الأنبياء: 5، قال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” يونس: 99، وقال تعالى: “وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ” الأنعام: 35.
فالحمد لله الذي رضي بالإيمان بالغيب وجعل الإيمان بالغيب ومن خلال الغيب ولم يرض بالإيمان بالمادة ولم يجعله بالمادة ومن خلال المادة ليتميز أهل القلوب الحية والبصائر النافذة من عمي البصائر ومختومي القلوب) .
إذا اتضح هذا، فالذين لم تقبل توبتهم في الآية “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ” بالتأكيد لم تكن شروط قبول الإيمان والتوبة متحققة عندهم، وهذا واضح من الآية نفسها حيث وصفتهم بأنهم “ضالون”، ولذلك فسّرت الآية في روايات خلفاء الله بقوم كانوا مقيمين على الضلال وماتوا وهم مصرّون على جحود الحق وإنكاره.
أما الذين تابوا من كفرهم وضلالهم وتحققت شروط التوبة المقبولة عندهم “إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” فهؤلاء تقبل توبتهم وإيمانهم، والآية أيضاً بيّنت أنّ إيمانهم وتوبتهم محققة لشروط القبول؛ إذ وصفتهم بـ “أصلحوا” أي أصلحوا خطأهم ولم يقيموا على الضلال، وبالتالي فلا تعارض بين الآيتين إطلاقاً.

______________________

✍️ مقتبس من بحث دفاع عن القرآن (إشكال 86) – الدكتور علاء السالم

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

19 + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى