مقتبسات

الانتقالة في الدِّين

مقتطف من بحث ولاية الفقيه في زمن الغيبة للدكتور الشيخ عبد العالي المنصوري
[ مرّ الفقه الشيعي بأدوار مختلفة ومراحل متعددة، فبعد أن كان الناس تتلقى الفتوى من الأئمة (عليهم السلام) مباشرة أو عبر رواة الحديث الذين ينحصر دورهم في نقل الفتوى وايضاحها – بعد فهمها – للناس، بعد ذلك جاءت مرحلة أخرى اتفق فيها الشيعة مع أبناء العامة بحسب المنهج، وهو منهج استخراج الفتوى عبر استنباطات الفقهاء، وكان أبناء العامة لهم الاسبقية بسبب عدم ايمانهم بإمامة أهل البيت الإلهية، فانتهت عندهم فترة التلقي برحيل النبي (صلى الله عليه وآله)، بخلاف الشيعة الذين استمر منهج التلقي عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى وانقطاع السفارة (النيابة الخاصة).
يقول السد محمد باقر الصدر (رحمه الله): (وعلى هذا الأساس يمكن ان نفسر الفارق الزمني بين ازدهار علم الأصول في نطاق التفكير الفقهي السني وازدهاره في نطاق تفكيرنا الفقهي الامامي، فان التاريخ يشير إلى ان علم الأصول ترعرع وازدهر نسبيا في نطاق الفقه السني قبل ترعرعه وازدهاره في نطاقنا الفقهي الامامي، وذلك لان المذهب السني كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي صلى الله عليه وآله فحين اجتاز الفكر الفقهي السني القرن الثاني كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات، وأمّا الامامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي لان الإمام امتداد لوجود النبي فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الامامية في الاستنباط أقل بكثير إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للاحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول ولهذا نجد ان الامامية بمجرد ان انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الأصولية وأقبلوا على درس العناصر المشتركة). (1)
ويعبر مرتضى الحكمي في مقدمة كتاب التنقيح عن هذه الانتقالة بقوله: (بدأ الدِّين بالوحي والبلاغ، وانتهى إلى الفتوى والتقليد، وبتعبير آخر بدأ بالتمسّك بالرسالة الإلهيّة، وخُتِمَ بالأخذ من الرسالة العمليّة للفقهاء). (2)
ولا يخفى أن هذه الانتقالة أدت إلى تغيير العديد من المسائل العقدية والفقهية على حد سواء. ولعلنا نفهم ذلك بوضوح مما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) من أن القائم يأتي بدين جديد.
عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: (.. ثم قال: يقوم بأمر جديد وكتاب جديد وسنة جديدة وقضاء جديد…). (3)
فالظاهر من الرواية أنّ الدين عند مجيء القائم (عليه السلام) قد انحرف وابتعد عن حقيقته حتى وُصفت عملية إصلاحه على يد القائم بالدين الجديد.
وعلى أي حال؛ لما دخل الاجتهاد الى الفقه الشيعي حصلت العديد من الخلافات بين فقهاء الشيعة حتى تعددت الآراء في العديد من المسائل.
ومن أهم تلك الخلافات المنهجية هو الخلاف بين المدرستين الأخبارية والاصولية….]
_______
الهوامش:
(1) دروس في علم الأصول: 1 /44.
(2) مقدمة التنقيح، تقرير بحث السيد الخوئي للغروي: 1 /6 ،مقدمة التحقيق.
(3) حسن بن سليمان الحلي، مختصر بصائر الدرجات: 212.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى