مقالات منوعة

أسطرة الوعي العربي المسلم – الدكتور زكي الصبيحاوي

 

  • من العوامل التي ساعدت على أسطرة الوعي

إن امتداد الفترة الزمنية التي تحكّم بها الفكر السلطوي بحياة الناس وفّرت له فرصةً كبيرةً للعمل بشراسة وقوة على تعفية آثار حاكمية الله من الواقع الثقافي والفكري وحتى التاريخي، واجتهد في أن يروّج لبضاعته، ويسوّق لها كأنها الأصل، ويبرر ذلك بعجز الدين عن تقديم المشروع الإلهي في الحكم، أو في أحسن الحالات بغياب المشروع الالهي في الحكم، أو حتى وجود رؤية ما لقيادة الناس وسياستهم، واشتغل على تضييق سيرة النبي (ص) وحصرها وتقييدها بالدعوة للدين الإلهي بالوعظ والنصح حسب؛ أي صيّروه وكأنّ شغله الشاغل لم يكن في سياسة البلاد والعباد، إنما كان شغله منحصراً بنشر التعاليم الدينية حسب. إنّ هذا التصور غير الواقعي ينقضه واقع النبي (ص) وسيرته أو ما وصل من سيرته، إذ يكفينا النظر إلى ما فعله (ص) في واقع الجزيرة العربية الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري، والإداري؛ ليتبين بوضوح أنه كان رجل دولة بامتياز، وأرسى قواعد الحكم الإلهي، وعمل على ترسيخها في كل حركاته وسكناته وأحاديثه الشريفة.

إنّ الفكر السلطوي الانقلابي راح يسوّق سيرة النبي (ص) وأحاديثه على أنّها أعمال وأقوال متفرقة هنا وهناك لا يربطها رابط سوى المعالجة الجزئية لواقع هنا أو حادثة هناك، في حين أنّ النظر إليها وهي تجري في نظام بناء دولة الدين الحق يكشف عن حقيقة غيّبها الفكر السلطوي تغييباً قسرياً بالحديد والنار، تلك الحقيقة هي: إن تلك الأحداث والأحاديث رسمت خط مسار بناء الدولة الإسلامية، وصورة الحكومة التي ينبغي أن تقود مسار الدولة، غير أنّ ما فعله الفكر السلطوي في حادثة السقيفة وما تلاها أعاد الأمة إلى مربع النزاعات والصراعات الذي انتشلهم منه النبي (ص) وصرّحت به الآية الكريمة: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [1]، فالآية واضحة البيان بأن اعتصام الناس بحبل الله الممدود إليهم من السماء وهو (رسالة السماء ورسولها) كفيل بعصمة الناس من الانزلاق في مهاوي الجاهلية التي أهلكت الحرث والنسل.

لقد حشر الفكر السلطوي الانقلابي أنفه، وأطلق العنان للسانه في توجيه النصوص الدينية باتجاهات متعارضة متضاربة؛ ليفتح الباب على مصراعيه أمام الآراء والأهواء لتحصد الأمة شوك الفرقة وحسكها، واستحالت إلى فرق وملل ونحل وطوائف، كلّ يجرّ النار إلى قرصه ويرى الحق معه بمنطق القوة، لا بقوة المنطق والحجة والدليل؛ لأن الجميع على اختلافهم يدركون أن لا دليل بأيديهم يشرّع لهم القيام مقام النبي (ص) الحاكم الحق للدولة الإسلامية، إذ لا أحد من المتصدّين لحكم الناس يزعم أنه حبل الله المنقذ لهم، ما عدا أولئك النفر (أوصياء النبي (ص) الذين سطّر أسماءهم في وصيته التي أملاها ليلة وفاته وشهدها الخاصة من المؤمنين، بعد أن تنازع فيها عامتهم وقام بطردهم من محضره.

قام بتوثيق هذا الحدث الخطير ابن عباس وسمه بالرزية) الذين استضعفتهم الأمة وتظافرت على قهرهم وقتلهم وتشريدهم، ورميهم بالافتراءات، وقد شكوا كلهم أجمعون حال الأمة معهم على تعاقب أجيالها، وختامها هذه المقالة العظيمة التي تفضح حالة العزوف العجيب عن المشروع الإلهي ما ورد في (الاحتجاج: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج توقيع من الناحية المقدسة – حرسها الله تعالى – بعد المسائل:

بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون ” حكمة بالغة، فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون ” السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين إذا أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى ” سلام على آل يس، السلام عليك يا داعي الله، ورباني آياته، السلام عليك يا باب الله وديان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه، السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه، السلام عليك في آناء ليلك وأطراف نهارك السلام عليك يا بقية الله في أرضه. السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده) [2].

لذا فالأساطير ليست ما يطرحه الدين من كتاب وحكمة المستندة إلى الدليل القطعي، إنما هي تلك الطروحات التي تنتجها أوهام المتسلطين، والمستبدين بمنطق القوة أو من أعانهم من الكتّاب والباحثين والدارسين المؤدلجين بأيديولوجية السلطة ليفرضوا على وعي الأمة وفكرها ما تنتجه أوهامهم، ويفرضونه بالقسر والإكراه والخداع والكذب المستمر، وحتى إذا افتضح الكذب فتراهم لا يستحون أو يرعوون، بل يذهبون بها عريضة ليعلنوا أنّ السياسة قائمة على الكذب والخداع!

هذه فقرة مأخوذة من كلمة الناشر لكتاب عنوانه (فلسفة الكذب والخداع السياسي؛ د. حمدي شريف، مدرس الفلسفة السياسية بكلية الآداب ـ جامعة سوهاج): (ففي عالم السياسة الواقعي يكاد يكون الكذب مرادفًا للحكم؛ فأن تحكم يعني أن تُمارِس الخداع، لكن الأخطر من ممارسة الكذب والخداع هو التسويغ الفلسفي الذي يبرر هذه الممارسات، فهل قدر السياسة أن تظل دائمًا مناخ الكذب الأمثل؟ أم من الممكن لأخلاق الواجب، وقيم الصدق أن توجه الفعل السياسي؟ وهل يمكن حقًا تبرير الكذب السياسي من المنظور الفلسفي الأخلاقي؟ أم أن «التبرير» يُعَدُّ في ذاته مجرد محاولات لإضفاء شرعية أخلاقية على اللاأخلاقي بطبيعته لأهداف أيديولوجية براجماتية؟) [3].

 

  • هل يُعذر الوعي باستسلامه لسياسة الأسطرة؟

إنّ الآية الكريمة التي ذكرت أن النجاة منحصرة بالتمسك بحبل الله سبحانه دالة دلالة واضحة ـ لا سبيل لتزييفها أو التلبيس عليها ـ على وجود نظام إلهي للحكم، ولفظ الحبل فيه كناية رائعة البيان على أنّ خلفاء الله في كل زمن هم ذلك الحبل، فكل خليفة لاحق هو امتداد لذات النهج الإلهي الذي قام به الخليفة السابق، وبما يناسب حال أمته في زمنه، وواقعها الذي تعيشه، لذا يتبيّن بوضوح لدى كل باحث منصف، أو عاقل يبحث عن الحقيقة أنّ حديث الثقلين منحصر في القرآن والعترة (الدستور والمنفِّذ له)، وليس (القرآن والسُّنة) بحسب ما يشيعه الفكر السلطوي من فهم للسنّة بأنها أحاديث النبي (ص) التي عالجت وقوّمت وقائع وأحداث حصلت في زمنه (ص)، لسبب بسيط أنّ تلك المعالجات كانت لأهل زمان غير أهل الزمان الذين جاؤوا بعده، وأحداث غير الأحداث التي تقع بعده، سواء على مستوى المعالجة الفعلية أو الوصف اللغوي، إذ لا أحد اليوم ـ مثلاً ـ في زمننا يستعمل لفظ (الجزية)، أو حتى يستسيغ التعامل بها، ولكن الناس تتعامل بلفظ (الضريبة) وتراه حقاً قانونياً على المرء تأديته، وإلا فهو خارج على القانون! والفعلان متشابهان تقريباً.

لعلّ من النافع إلفات نظر الباحثين والدارسين المتصافقين على مقولة (إن النبي (ص) رجل دين وليس رجل دولة وسياسة) أنه (ص) في بدء عمله بعث رسائل إلى ملوك الأمم في زمنه، وأولئك الملوك هم رجال سياسة، وليسوا أهل دين، والمتأمّل بصيغة الخطاب الجامع لتلك الرسائل وهو (أسْلِمْ تسلم) والأسلمة هنا مصطلح دال على الخضوع والانقياد لصاحب الخطاب؛ لذلك انزعج كسرى الفرس من لغة الخطاب ومزّق الكتاب وهدد بقتل الرسول حامل الكتاب لولا أنّ العرف السياسي الدولي آنذاك كان يحرّم قتل الرسل، كسرى فهم من خطاب النبي (ص) له أنه يدعوه للدخول في دولة الدين، ولذلك نفر وامتعض ومزّق الكتاب. والنبي (ص) في ذاك الزمان طرح نفسه للناس بوصفه خليفة الله المتصرّف في ملكه بإذنه سبحانه، وقدّم كل الدلائل التي لم يجد الناس بدّاً من الاعتراف بها والتسليم لها على هذا الأمر الذي لا لبس فيه آنذاك.

علينا أن نلتفت إلى أنّ خطاب الدين هو خطاب السياسة؛ أي إدارة البلاد والعباد، وتوجيه مسار الحياة باتجاه الهدف الذي من أجله خلق الله سبحانه الناس؛ لتتوقف البشرية من إعادة انتاج هذا السؤال الساذج مع توافر الجواب وهو: لماذا خلقنا الله سبحانه؟! ووصف السؤال بالسذاجة على الرغم من أهميته سببه أنّ هناك رحلة طويلة تعاقب عليها خلفاء الله من رسل وأنبياء وأوصياء وصولاً إلى زمن النبي محمد (ص) وامتداداً لما بعده كان البيان فيها مكرراً لجواب هذا السؤال هو: إنّ الله سبحانه خلق الخلق ليعرفوه، فغاية الخلق إذن هو المعرفة، وهذه المعرفة لا تتحقق إلا بقيادة رجل سماوي ممثل للملك الحق، ومبعوث بإذنه سبحانه، وإنّ غياب هذه الغاية أو تغييبها حتماً سيدخل البشرية في نفق مظلم لا سبيل للخروج منه إلا بالعودة مرة أخرى للتعلّق بهذا الهدف النوراني العظيم الذي سيخلّص الإنسان فرداً وجماعة من نير الاستعباد الذاتي الأنوي المظلم.

يعدّ الفكر السلطوي هو الصانع لنهج أسطرة الوعي البشري، وحاول أن يقنع الناس بالقوة والقهر مرة، ومرّة بالخداع والمداهنة على اعتماد نهجه، وراح يرمي الفكر الإلهي بالأسطرة، تماماً كفعل أسلافه عندما بعث فيهم النبي (ص)، غير أنّ الكاريزما التي كان يتمتع بها النبي (ص) وقدرته العالية على التأثير بالواقع أدت إلى هزيمة ذلك النهج شر هزيمة على كل الأصعدة والمستويات؛ هزمه فكرياً وثقافياً، وهزمه اجتماعياً، وهزمه عسكرياً، وهزمه سياسياً واقتصادياً، وهزمه على مستوى التربية والتعليم أيضاً، فأفرغ النبي (ص) أيدي القرشيين من كل نقاط قوتهم التي كانوا يمتلكونها بزعمهم، فما وجدوا بداً من الرضوخ لإرادته، وقبول ما يطرحه، وكلهم يمني النفس بانتهاء أيام النبي (ص) ليقوموا بإعادة دفة السفينة إلى الخلف، للعودة بالأمة القهقرى بعد أن سارت شوطاً كبيراً في مسار التقدم والحضارة، وانفتحت على الأمم والحضارات فأثرت وتأثرت، ومن هنا وجد الفكر السلطوي نافذة الولوج إلى الفكر الإلهي ليحشر أنفه وجميع حواسه بمقولاته والعمل على توجيهها باتجاهات متعددة ومتقاطعة متذرّعاً بأنّ تلك النصوص نازلة بلغة لا يفهمها إلا أهلها الناطقون بها، ليعلن الانقلابيون عن رايتهم التي زعموا أنها مسؤولة عن حفظ عروبة الإسلام بوجه الهجمات الشعوبية التي يتعرض لها، بسبب دخول أبناء تلك الأمم في الدين.

إنّ من المؤسف حقّاً أن يُرمى الدين بتهمة أسطرة الوعي البشري، وهو منها براء، إذ الدين حرص أشد الحرص على عقلنة الوعي البشري، وربطه بمنظومة القوانين الهادفة، من خلال تزويده بدستور يرشح علماً وحكمة، وقائم على رعاية الدستور وحفظه وتطبيقه، وتحقيق عدالة ما زالت البشرية تحلم بها ولا تنالها؛ لأنها ما زالت تطلبها بغير نهجها وتسعى إليها بالاتجاه الخاطئ، لقد أنتجت حاكمية الله نظاماً عجز الفكر البشري الى يوم الناس هذا عن أن ينتج نظاماً للحكم مشابهاً له أو حتى مقارباً، وأثبتت كل نظم الحكم فشلها وعجزها عن مواكبة مستجدات التطور بوصفه من الأنظمة الفاعلة بإيقاع الحياة، وهذا الكلام تحدّث عنه عدد من الباحثين الغربيين الذين انتقدوا ممارسات النظام الديمقراطي؛ لأنه أوصلهم الى طريق مسدود، وما عاد يلبي حاجات الشعوب العريقة بممارسة هذا النظام [3].

أطروحة الحكم الإسلامي الحق

لقد بقيت أطروحة الحاكمية الاسلامية غضة جديدة لم يستطع البشر التفاعل معها بطريقة إيجابية، اذ سرعان ما انقلبوا على نهجها وراحوا يختلقون الذرائع والمبررات لتمرير هذا الانقلاب وأسطروا مواقفهم الساذجة ليواجهوا بها حكمة الدين وإحكامه وقدرته على ضبط حركة الواقع باتجاه الهدف الذي خلق الله سبحانه من أجله الخلق، ولعل أولى ممارسات أسطرة الوعي كانت بمنع النبي (ص) من إعلان وصيته من خلال كتابتها في محضر المسلمين عامة، وهذا ما وثقته مصادر الفريقين من المسلمين المعتمدة لديهم الى الآن بعنوان (رزية يوم الخميس) الخبر الذي رواه ابن عباس ووثّق به ذلك الحدث الأهم في حياة الإسلام، وقد أدخل هذا الحدث المسلمين في منعطف تاريخي خطير جدّاً.

كل المسلمين بكل طوائفهم يعزون السبب في ضياع الأمة الاسلامية إلى غياب نظام الحكم فيها، وكلهم مجمعون على أنّ ما أسموه بالدليل على شرعية معالجة المحدثات من الأمور وإيجاد الحلول لها يكون بإجماع المسلمين عند استنباطهم للحل من النصوص الشرعية (القرآن والسنة)، وهذا الدليل لا دليل عليه! بل هو من إنتاج أسطرة الوعي للمسلمين، إذ إنّ انتباهة بسيطة تكشف عن أنّ ما أقروه دليلاً ـ بزعمهم ـ سيجعل منهم شريكاً في صياغة دليل مستحدث لم يكن على زمن حكم النبي (ص)، وهذه الشراكة ستكون سبباً في نقض عقيدة التوحيد التي يزعم كل المسلمين بالاعتقاد بها، فهم بهذا الفعل فرضوا أنفسهم شركاء لله سبحانه من خلاله مشاركة المشرع الحق سبحانه بالتشريع في أخطر المسائل وألصقها به وهي مسألة الحكم، وليس لأحد من البشر سبيل إليها إلا بإذن منه سبحانه، وهذا الإذن دليله النص حصراً، وعلى ذلك جرى قانون الدين الالهي، فالدين الالهي (رسالة ورسول) دستور وقائم منصب من الله على حماية الدستور وحفظه وتطبيقه بعدالة؛ قال تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [4]، والخطاب واضح أنه للمكلفين بالقيام لله سبحانه بحاكميته، والشهادة له بالقسط من خلال ممارسة ذلك القسط، فعمل خليفة الله منسوب إلى الله سبحانه؛ إذ قوله قول الله سبحانه وفعله فعل الله جل وعلا، وهذا ما أثبته النبي (ص) جملة وتفصيلاً في مواقف تاريخية مفصلية وبارزة.

إنّ حديث الثقلين “القرآن والعترة”؛ الدستور والمنفذ له، أشهر من أن يطلب عليه دليل فيكفي أن ينظر المرء بعين المنطق السليم ليتبين له أنّ الثقلين هما القرآن والعترة؛ أي الكتاب ومعلّم الكتاب الناطق به، أما حديث “القرآن والسّنة” فلا يسنده المنطق السليم، إذ كيف يستنطق المكتوب بمكتوب مثله، فكلاهما يحتاج إلى ناطق بهما ومفسّر لهما، وهذا ما حصل بالواقع فعلاً؛ إذ تبرّع ناطقون بهما من الناس من دون سلطان أتاهم من الله سبحانه صاحب النص والتشريع، قال تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [5]، وقال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [6]، فتعددت المذاهب والملل والنحل، فكل جماعة راحت تتعبد الله سبحانه في الحلال والحرام وفي تشريع الحكم بقول شيخها وعالمها الذي لا شهادة نصيّة عنده من الله سبحانه بالعلمية.

أمّا السّنة فهي تمثل أحكاماً أو معالجات لأهل زمان النبي (ص)، فكيف يُعقَل أنْ يقصر النبي (ص) الأقوام القادمة في المستقبل على أحكام ومعالجات لقومٍ سبقوهم؟! إنّ الهوى الأسطوري للفكر السلطوي جعله يستعمل منطق القوة والسلطة مخافة أن تطالبه الأجيال بتفصيل ما أجمله حديث العترة، الذي فصّله النبي (ص) في ليلة وفاته بوصيته التي ذكر فيها خلفاءه إلى يوم القيامة، فهم خلفاؤه المنصّبون من بعده للحفاظ على نهج الدين ومسيرته.

لعلّ من المؤسف أنْ تجد المزاج العام للمسلمين اليوم متفقاً بشكل غريب على أسطورة أنّ النبي (ص) مات ولم يوصِ لأحد من بعده، وإذا قام الدليل على ضرورة كتابة الوصية والاستخلاف تراهم يعودون الى نهج الأسطرة فيقولون استخلف أبا بكر وهم يعلمون تمام العلم أنّ هذا القول دون إثباته خرط القتاد كما يقال.

إنّ المنطق والحكمة وسيرة النبي (ص) تأبى إباءً كاملاً تاماً وكذلك العقل السليم؛ أن يكون النبي (ص) مات ولم يسمِّ خلفاءه من بعده الذين يقومون مقامه، بقي أمام المسلمين أن يبحثوا عن هذا النص، بل لعلّ من الواجب عليهم أن يحفروا الصخر بأظفارهم بحثاً عن هذا النص، ولكن الله سبحانه برحمته الواسعة يسّره لهم وجعله بمتناولهم، غير أن التكبّر والتعالي على الحقيقة يقف حاجزاً بينهم وبين رؤية الحقيقة التي يرفضون قبولها، وبالمقابل يطالبون بها، ويشتكون من فقدانها!

اسألوهم لماذا قامت حروب الردة؟ اقرؤوا التاريخ بعين الباحث عن الحقيقة ستجدون أنها قامت بسبب إعلانهم؛ أنّ النبي (ص) مات ولم يوصِ، وترك الأمر شورى بين الناس! فتطاولت الأعناق لهذه الغنيمة المهداة من المسلمين الى المتربصين، وخلط أصحاب السقيفة أوراق الردة فأخذوا بطريقهم الذين احتكموا للعقل والمنطق والشرع أنّ القائم بالأمر بعد النبي (ص) هو علي (ع) الذي بايعوه في غدير خم قبل بضعة أشهر من وفاة النبي (ص)، وامتنعوا عن دفع الحقوق الشرعية إلا لصاحب الحق الشرعي، فعدوا عليهم وغدروهم وقتلوهم ونهبوا أموالهم، وانتهكوا أعراضهم، وهذه لوحدها مخالفة صريحة وظاهرة للعلن؛ إذ خالفوا ما أعلنه النبي (ص) في خطبة حجة الوداع، (قالَ: فإنَّ دِمَاءَكُمْ، وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، وأَبْشَارَكُمْ، علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، ألَا هلْ بَلَّغْتُ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فإنَّه رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَن هو أوْعَى له فَكانَ كَذلكَ، قالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) [7].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] سورة آل عمران/103.

[2] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٥٣ – الصفحة ١٧١.

[3] فلسفة الكذب والخداع السياسي؛ د. حمدي شريف، مدرس الفلسفة السياسية بكلية الآداب ـ جامعة سوهاج.

[4] متاح على الرابط:

https://www.facebook.com/Ahmed.Alhasan.10313/videos/766442867418116

[4] سورة المائدة/8.

[5] سورة يوسف/40.

[6] سورة النجم/23.

[7] صحيح البخاري، رقم الحديث: 7078.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

11 + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى